فخر الدين الرازي

260

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [ الأنبياء : 106 ] وقال : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [ البقرة : 73 ] أي هكذا يحيي اللّه الموتى ، وقال : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [ طه : 17 ] أي ما هذه التي بيمينك واللّه أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ، / الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ، لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( ألم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر - وهو السورة - وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( ألم ) ، لا الذي هو مؤنث وهو السورة . مدلول لفظ « كتاب » : المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ * [ ص : 29 ] والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] وثانيها : الحجة والبرهان فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الصافات : 157 ] أي برهانكم . وثالثها : الأجل وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [ الحجر : 4 ] أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النور : 33 ] وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن اللّه تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق . اشتقاق لفظ « قرآن » : وثانيها : القرآن قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [ الإسراء : 88 ] إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد ، كالخسران والخسارة واحد ، والدليل عليه قوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ القيامة : 18 ] أي تلاوته ، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته : الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت آيات ، والآيات جمعت فصارت سوراً ، والسور جمعت فصارت قرآناً ، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية . معنى الفرقان : وثالثها : الفرقان : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] . وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ